لوحة دفن أتالا // للرسام جيروديه

تبدو لوحة «دفن أتالا» لجيروديه للوهلة الأولى لوحةً حزينة، لكنّها إلى جانب حزنها الهادئ المستقر، هناك رحابة أوجدها الضوء في اللوحة، فلم تكن سافرة في مشاعر الحب أو الحزن، بل هادئة جداً ومتّزنة. حزن شاكتاس على فقد حبيبته وثقة القديس العجوز بأن هذا الموت هو في صالح أتالا التي وهبت نفسها وبراءتها للدين رغم كل شيء. واطمئنان الثلاثة بأن هذه النهاية المأساوية هي الأرق والأسمى.
ما من أحدٍ كان سيصوّر هذا المشهد أفضل من جيروديه ، لأن دقة ريشته والصفاء الذي لا يُضاهى في ألوانه تعكس طباعه الرومانسية والحساسية الفنية لتصوير الإنسان الشاعري البسيط..
أطلق شاتو بريان على كتابه اسم اتالا أو حب اثنين من البدائيين في الصحراء، والمشهد الافتتاحي في لويزيانا التي يقطنها الهنود الحمر (الأميركيين) من جماعة ناتشز،والراوي هو شيخ الجماعة أو القبيلة وهو أعمى واسمه شاكتاس.
يقص شاكتاس كيف أسَرَتهُ في شبابه قبيلة معادية وحكمت عليه بالموت حرقا لكن أتالا أنقذته، وهي عذراء هندية (من الهنود الحمر) هربت معه عبر المستنقعات والغابات والجبال والمجاري المائية وأحب كل منهما الآخر لاقترابهما واشتراكهما في مواجهة الأخطار، وطلب منها اكمال الحب بالتواصل الجنسي لكنها رفضت لأنها كانت قد تعهدت أمام أمها التي ماتت، أن تظل عذراء طوال عمرها، والتقيا بمبشر مسيحي عجوز أيد تقواها لاعناً الحب كشكل من أشكال السُّكر والزواج كقدر أسوأ من الموت، وتمزقت اتالا بين الدين والجنس وخرجت من المأزق بتناول السم، وغدا شاكتاس وحيداً معزولاً لكن المبشّر شرح له الموت باعتباره خلاصاً مباركاً من هذه الحياة: أصبح وصف شاتوبريان لجنازة أتالا حيث تعاون القس والوثني في مواراة جسدها الثرى، وصفاً مشهوراً في الأدب الرومانسي، كما ألهم الفنان جيرود – تريوزن، فرسم إحدى أعظم اللوحات في فترة حكم نابليون.
لوحة دفن أتالا التي بكى عند رؤيتها سكان باريس في 1808، لكن التراث الكلاسي كان قوياً في فرنسا في 1081 لدرجة تمنع ترحيب النقاد جميعاً بالقصة وابتسم منهم كثيرون (ساخرين) عند قراءة الفقرات المنمّقة المصاغة بعناية، لكن كان هناك أيضاً نقاد آخرون وعدد كبير من القراء امتدحوا بساطة استخدامه للكلمات والموسيقا الهادئة في أسلوبه ووصفه للحياة الحيوانية والنباتية والجبال والغابات والمجاري المائية معبراً عن الأصوات والأشكال والألوان بأزهى عبارة، مما شكَّل خلفية مفعمة بالحياة لأحداث القصة.
 
 

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

العمارة الحديثة التي تذهلنا بثوراتها كل يوم

قصّة مصرع تاراكانوفا للرسّام كونستانتين فلافيتسكي